الخبر أسفل هذه الروابط

الصّمت القاتل

منى خلايلي
الاربعاء ، ٠٥ مايو ٢٠٢١ الساعة ٠٨:٣١ مساءً

فوق تلك الحافّة شاهقة العلوّ يقف هناك لبنان مُرتعشا على رؤوس أصابعه، تلفحه الرّياح الإقليميّة والدّاخليّة وحتّى الخارجيّة التي تعصف به من كلّ الجهات، فيتأرجح بينها كطفل أنهكه التّعب بين التّلال. فلا تُشفق الرّياح عليه ولا هو يستسلم.

لم يعد الوضع في لبنان موضوعا يختلف عليه أحد، فالانهيار قد وقع وبات الارتطام الكبير مسألة وقت لا أكثر. ففي فترة قصيرة وجد سكّان لبنان أنّ أموالهم المودَعة في البنوك قد تبخّرت، وأنّ ليرتهم انهارت أمام الدّولار الذي حطّم أرقاما قياسيّة لم يسجّلها من قبل، الأمر الذي أودى بنصف سكّان لبنان في الإقامة الجبريّة ضمن خطّ الفقر.

ولأنّ الجوع كافر، كفر اللّبنانيّون بزعمائهم وتوقّفوا عن عبادتهم "ولو مؤقّتا" وانقضّوا على المتاجر يقاتلون بشراسة للحصول على أيّ موادّ مدعومة. ولم تخلُ تلك المشاهد من الذلّ والقسوة التي ما كنّا لنصدّق حدوثها من عام فقط، ولكنّها كما وصفها البعض "البداية فقط"!

أمام مثل هذه الظّروف الصّعبة تنتفض الشّعوب بشكل تلقائيّ، وتهبّ غاضبة بوجه الظّلم منتزعة قرارها من رحم الظّلام. إلا أنّ الشّعب اللّبناني وبشكل غير مفهوم، تراه مترقّبا غارقا في صمت قاتل لم يسبق له أن التزمه إلى هذا الحدّ.

والمراقب لهذا المشهد لم يعد يعرف إذا كان سبب صمته هو "هدوء ما قبل العاصفة"، أو أنه اليأس الذي تسلّل إليه وشلّ حركته وقراره، فبات كعجوز ينتظر لحظة موته بهدوء دون أن يحرّك ساكنا أو حتّى يُتمتم بالشّهادتين! علما أن هذا العجوز كان منذ فترة وجيزة شابّا ثائرا يحمل علم بلاده ويجوب المناطق اللبنانيّة شمالا وجنوبا كطائر الفينيق، ما أرعب الفاسدين الذين عمدوا إلى تجويعه كي يبقى لاهثا وراء رغيف الخبز دون جدوى من الوصول إليه.

ألم يحن لطائر الفينيق أن يُخمد تلك النّيران التي لطالما أشعلته وحوّلته إلى كتلة من الرّماد؟ ألم يملّ ذلك الطّائر العظيم من نفض الغبار عنه في كلّ مرّة والنّهوض مجدّدا؟ ألا يشعر طائرٌ بحجمه ومكانته بالحاجة إلى الطّيران والتّحليق عاليا دون احتراق؟ دون نار؟ دون رماد؟.

اليوم
الأسبوع
الشهر